“منارة سيدي إخريبيش “

” سنحت لي فرصة استثنائية أنا و زميلاتي في قسم الإعلام جامعة بنغازي لزيارة أحدى أقدم المنائر البحرية في ليبيا و رؤيتها من الداخل و ذلك ضمن مشروع تخرجنا لعمل تقرير حول المنارة “

في مدينة بنغازي شمال شرق ليبيا و ثاني أكبر مدنها تقع منارة ( سيدي أخريبيش ) أو منارة بنغازي التي تمثل رمز المدينة و معلمها البارز ..

و رغم الحرب التي خاضتها مدينة بنغازي ضد الإرهاب ظلت منارة سيدي أخريبيش صامدة في وجه الرصاص و السلاح الثقيل على الرغم من تعرضها للأذى و تمركز الجماعات الإرهابية في محيطها ..

منارة سيدي أخريبيش عام 1931

تطل منارة سيدي أخريبيش على ساحل البحر الأبيض المتوسط فوق ربوة خضراء أقيمت على أنقاض مدينة ( برينكي أو برنيق الإغريقية ) التي لا تزال بقايا آثارها تحيط بها يبلغ ارتفاعها 41 متر و يعود تاريخ إنشاؤها منذ إنشاء ميناء بنغازي البحري عام 1579 و الذي كان يسمى وقتها مرسى بني غازي .
و تدعو تسمية سيدي أخريبيش إلى وجود ضريح ولي صالح بالقرب من المنارة كان يدعى أخريبيش .

تقع المنارة على ربوة عالية

في عام 1880 تم إعادة ترميم المنارة من قبل الشركة الفرنسية المتعهدة ببناء و صيانة المنائر الخاصة بالإمبراطورية العثمانية و استغرق ترميمها مدة طويلة و كانت تشتغل بالغاز ، و في عام 1932 أثناء فترة الاحتلال الايطالي هدمت المنارة العثمانية و تم بناء مكانها منارة جديدة و هي الموجودة حاليا و كانت تشتغل بالكربون ، و حاليا تشتغل المنارة بالكهرباء و في حالة انقطاع التيار الكهربائي تشتغل المنارة بشكل آلي بالغاز ، و يعد مكتب المنائر في ميناء بنغازي البحري هو المسئول الأول عن هذه المنائر حيث يقوم بالإشراف و المتابعة و الصيانة على المنائر و يتم ذلك من الموانئ النفطية إلى المناطق الشرقية .

في كل أتجاه تختلف التفاصيل المحيطة بالمنارة

مصدر الصور – الانترنت ..

الصف الثاني الابتدائي

1
من الصعب أن تظل طوال عمرك تلازمك ذكريات لا تحبها ، إذ ثمة كثيرون يشكل لهم الماضي ذكريات مريرة قد يكون سببها أشخاص أو نكون نحن جزءاً منها .. هذه الذكريات تترك في نفوسنا أثراً لا يمحيه الزمن ..
مر العام الدراسي الأول على ( ك ) عادياً دون أي عوائق دراسية تتذكر بل بالكاد كانت تتذكر سنتها الأولى تلك ، لكن ذكريات الصف الثاني الابتدائي تركت لها أثراً لم تمحوه ثلاثون سنة مضت .. كان الصف الثاني الابتدائي بداية للعزلة و الخجل و الانطواء و الرهاب الاجتماعي على المدى البعيد سببه المعلمة الذي استقبلت ( ك ) في بداية سنتها الدراسية الثانية بالضرب و التعنيف اليومي ،لم تجد ( ك ) تفسيراً لهذه المعاملة اليومية ، لم تكن تلميذة كسولة بل كانت تستوعب الدرس جيداً لكن ذلك لم يكن يرضي المعلمة .. حالة من الترقب و الترهيب ساد قلب الطفلة ، إذ ستكون يومياً على موعد مع الضرب حتى أنها كانت ترفض بشدة الذهاب للمدرسة و كانت تجبر بالقوة على الذهاب وسط مقاومة الطفلة التي أنتابها موجة من البكاء و الهلع .. لم تكن المعلمة ترضى على أي شيء تفعله  ( ك ) كانت تؤنبها و تجد أتفه الأسباب لتوبيخها على واجباتها المدرسية رغم أن دفتر واجباتها كان مرتباً .. و عندما تضطر المعلمة للخروج من الفصل الدراسي لعمل شيئاً ما كانت تطلب من ( ك ) قراءة درس في الكتاب و تكلف زميلاتها التلميذات بمراقبتها في إذا كانت تقرأ جيداً  أم لا لحين عودتها ، بدأت ( ك ) بالقراءة جيداً لكن للأسف زميلاتها تعاملن مع الأمر بلؤم إذ بدأن بإحداث الضجة و كن يقلن لها أنهن لم يسمعن و أن قراءتك خاطئة ..
هذا الأمر خلق لذا ( ك ) حالة من الشعور بأنها نكرة و منبوذة من الجميع .. كان الصف الثاني الابتدائي قاسياً على الطفلة  ( ك ) كان دائماً يراودها سؤال محير هو ( لماذا ) كانت تشعر بالغصة و بأنها محطمة من الداخل .. عند سؤال ولي أمر  (ك) المعلمة عن مستواها الدراسي كانت تجيبهم بأنها كسولة ، في المقابل صدق الأهل كلام المعلمة و لم تجرؤ  ( ك ) على البوح بالحقيقة كما لم تجد الاهتمام و المتابعة في البيت ..
أنتهى العام الدراسي بذكرياته المريرة و ظهرت النتيجة بفشل الطفلة ( ك ) لم تبكي وقتها رغم رسوبها بل شعرت بأنها ستتخلص من ظلم المعلمة التي ستكون نفس معلمتها لو نجحت و انتقلت إلى الصف الثالث الابتدائي ..
انتهت العطلة الصيفية و بدأ العام الدراسي ، كانت السنة التي أعادتها ( ك ) سنة مستقرة و هادئة استعادت فيها بعض الثقة التي فقدتها في العام الماضي حتى أنها أصبحت من الطلبة المتفوقين و من ضمن العشرة الأوائل عند ظهور نتائج السنة .. كانت ( ك ) لا تزال تتذكر علبة ألوان خشبية أهدتها أليها معلمتها عند استلامها لشهادة النجاح ، كانت علبة ألوان جميلة مزينة برسومات طفولية ، شعرت بالسعادة تغمرها خاصة و أنها تهوي الرسم ..
إجادتها للرسم خفف عنها قلة ثقتها بالنفس إذ كانت متميزة عن أقرانها في هذه الموهبة و كانت رسوماتها تبهر المعلمات و الطلبة .. أكملت  ( ك ) جميع سنوات المرحلة الابتدائية الست دون أي عوائق .. اجتهدت لكي تصل للنجاح ، سيما و أن ما مرت به خلق منها شخصية ضعيفة .. ففي الغالب كانت تعرف الإجابة عند طرح المعلمة للسؤال و لكن لم تكن تجرؤ على الإجابة أمام أقرانها من التلاميذ خشية أن تتعرض للسخرية بسبب التلعثم و الارتباك ، كانت ( ك ) تجتهد فقط  و كان الامتحان النظري على الورق هو المعين لنجاحها .. كبرت ( ك ) و علمت أن معلمتها القاسية كانت مرتبطة برجل مطلق لديه بنت و ولد ، كانت البنت أصغر بعام من  ( ك ) ..
علمت  ( ك ) بأنها ليست الوحيدة التي لم تسلم من سوء معاملة المعلمة .. إذ كانت أيضاً زوجة أب قاسية ذاقت أبناء زوجها الذين يعيشان معها ألوان من الضرب و العنف اللفظي إذ كانت تجبرهما على القيام  بأعمال المنزل كانت فوق طاقة الطفلين الجسدية و غير مناسبة لأعمارهما ، و كانت تجبر الأبن على غسل الأواني ..
 و كانت صدفة غريبة أن تكون أبنة زوج المعلمة زميلة ( ك ) في المدرسة الثانوية .. كان من الواضح أن الفتاة كانت قد تعرضت للعنف كان ذلك واضحاً في تفاصيل وجهها كانت الفتاة تصرفاتها عدائية و هيئتها يرثى لها  كما كانت لا تحب الدراسة و كانت لا تشعر بالرغبة في إكمال تعليمها و لكن كان تعاملها مع ( ك ) لبق و وجدت بها الرفيقة التي تعاملها باحترام بعكس أغلبية الطالبات اللاتي كن يفتعلن معها المشاكل  .. انتهت الدراسة و جاءت العطلة الصيفية و عند العودة للمدارس لم تجد ( ك ) زميلتها و علمت بعدها أنها تزوجت من شاب يعيش في الخارج  .. أدركت ( ك ) أن رفيقتها فضلت الزواج في سن صغيرة على أن تعيش  في جحيم زوجة الأب الظالمة .. منذ ذلك اليوم لم تسمع عنها شيئاً لكن كانت مسرورة من انتهاء معاناة رفيقتها .. 
  أكملت ( ك ) المرحلة الثانوية دون أي عراقيل ، كانت مرحلة المراهقة مرت لديها هادئة و في الحقيقة كانت امتداد لمرحلة الطفولة إذ لا زالت متعلقة بها  إذ لم تتخلى عن مشاهدة الكارتون و قراءة قصص و مجلات الأطفال و لم تمر بالمرحلة التي تشعر فيها الفتاة بأنها كبرت و لديها اهتمامات خاصة   ..
وجدت ( ك ) في القراءة عالماً جميلاً  من الخيال و التفكير..  قرأت الأدب العالمي و كان يبهرها ما قرأته من القصص   .. منذ السن العاشرة تمنت ( ك ) أن تصبح كاتبة مرموقة و على الرغم من قراءتها للعديد من الكتب فقد كان تفكيرها متعلق بالطفولة ، لم تكن كاتبة ناضجة ..
عند دخولها للجامعة درست الصحافة  ، كان بعض أساتذتها قد أثنوا على موهبتها في الكتابة و الرسم و على الرغم من حصولها على شهادة الصحافة إلا أنها كانت متعثرة و لم تملك جراءة الصحفيين بل ظلت تكتب في صمت ، لم تستطع أن تندمج في المجتمع أو تشارك في دورات أو ندوات أو فعاليات ثقافية .. ظلت تكتب في نطاق محدود  و عبر الانترنت ، لم تستطع إقامة علاقات واسعة لم تستطع أن تبدأ هي بالصداقة بل صديقاتها هن من رغبن بالتعرف إليها ،لم تستطع أن تعبر عن رأيها لم تكن تجرؤ للدفاع عن نفسها أو عن حقوقها ، و كانت تتعرض لاستغلال الآخرين ..
بسبب معاناة ( ك ) من قلة الثقة بالنفس شعور يلازمها دائماً بأنها شخصية غير محببة حتى أنها لم تجرؤ على إقامة معرض  يضم لوحاتها ظناً منها إذا أقامت معرض فسوف تجد سخرية و الاستهزاء من الآخرين سيما و أنها تعيش في محيط لا يقدر  المواهب و أفقه الثقافي محدود ..
و على الرغم أنها في العقد الثالث إلا أنها لم تزل تؤلمها ذكريات الطفولة و  تتمنى لو تستطيع نسيانها ..
كل ذلك بسبب الصف الثاني الابتدائي ..